صديق الحسيني القنوجي البخاري
70
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ أي فيما نزله تبيانا لكل شيء وهدى وبشرى بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار ، وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان ، فقيل العدل شهادة أن لا إله إلا اللّه والإحسان أداء الفرائض . وقيل العدل الفرض والإحسان النافلة . وقيل العدل استواء العلانية والسريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية ، وقيل العدل التوحيد والإحسان التفضل ، وقيل العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه . وقيل العدل التوحيد والإحسان الإخلاص ، وقيل العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو عدل ولا يقول إلا ما هو حسن . وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره ، والعدل هو المساواة في كل شيء من غير شطط ولا وكس . والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن تكون عبادة في الدين على حالة متوسطة ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغلو المذموم في الدين ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من أمر الدين اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر ، وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير . وأما الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب كصدقة التطوع ، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه اللّه عليه في العبادات وغيرها ولم يذكر متعلقات العدل والإحسان والبغي ليعم جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه وينبغي فيه وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إنه فسر الإحسان بأن يعبد اللّه العبد حتى كأنه يراه فقال في حديث ابن عمر في الصحيحين « والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » وهذا هو المعنى بالإحسان شرعا . وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ما تدعو إليه حاجتهم وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب والأرحام وترغيب في التصدق عليهم ، وهو من باب عطف الخاص على العام إن كان إعطاء الأقارب قد دخل تحت العدل والإحسان ، وقيل من باب عطف المندوب على الواجب ، ومثل هذه الآية قوله وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ [ الإسراء : 26 ] وإنما خص ذوي القربى لأن حقهم آكد فإن الرحم قد اشتق اللّه اسمها من اسمه الشريف وجعل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 31 ، باب 2 ، والإيمان باب 37 ، ومسلم في الإيمان حديث 57 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في الإيمان ، باب 4 ، وابن ماجة في المقدمة ، باب 9 ، وأحمد في المسند 1 / 27 ، 51 ، 53 ، 319 ، 2 / 107 ، 426 ، 4 / 129 ، 164 .